عين القضاة

مقدمة 79

شكوى الغريب عن الأوطان إلى علماء البلدان

وباليوم الآخر ؟ فقد أطنبت القول في العلم باللّه وبصفاته وفي الطور الذي وراء العقل ، وهو الذي يتوقف عليه الأيمان بالنبوة ، وأما العلم باليوم الآخر فإنك لم تتعرّض له أصلا ، ولم تذكر في معناه فصلا . وما بالك لم تحم حول شئ من أحوال النفس وحقيقة أطوارها في عالمي الملك والملكوت . فاعلم قبل كل شئ أن اليوم الآخر ليس من جنس أيامنا هذه التي تعرف بطلوع الشمس ، لان الشمس تكون مكوّرة يوم القيامة ؛ وإنما عبرّ عنه باليوم الاخر لضيق العبارة كما عبّر عنه رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - حيث قال : ألا إن الزمان قد استدار كهيأة يوم خلق اللّه السماوات والأرض . وكما عبّر عنه في القرآن فقيل : « إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ » * . وما لم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات ، فيستحيل للسالك أن يصل إلى يوم الدين . فإذا فهمت ذلك فاعلم أن النفس الإنسانية لها أطوار كثيرة وتكاد تخرج عن الحصر والتناهي . فما دامت النفس في أطوار مخصوصة ، قيل : هي في الدنيا ؛ وما دامت النفس في أطوار اخر مخصوصة ، قيل : هي في عرصات القبر ، والقبر أول منزلة في منازل الآخرة ؛ وما دامت في أطوار اخر مخصوصة ، قيل هي في عرصات القيامة ؛ وما دامت في أطوار اخر مخصوصة ، قيل هي في الآخرة . الفصل السادس والسبعون ( وجود النفس قبل البدن وخلودها بعد مفارقة البدن ) اعلم أن العقل الأنسانى لم يدرك من حقيقة النفس إلا ما لزم وجوده من النظر